نخبة من الأكاديميين
771
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
3 - تطور الآلات الفلكيّة باتجاه إنشائها كأبنية . أنّ الربعية الجدارية ( التي سُمّيت " الِلبْنَة " ) هي الآلة الأكثر تكيفاً من أجل التحديد الدقيق للمَيل . إذا كانت ربعية وحلقة تملكان الأبعاد نفسها ، فإنّ شعاع الربعية يُقابل قطر الحلقة ؛ لذلك تستطيع القوس المرقمة في الربعية أن تحمل تقسيمات أكثر دقة بمرتين . إنّ أوّل ربعية جدارية كبيرة معروفة هي ربعيّة خالد التي بلغ ضلعها حوالي خمسة أمتار . لكن لا يبدو أنّ نموذج هذه الربعيّة قد عرف كثيراً من الانتشار ؛ فنحن لا نعرف سوى بضعة أمثلة عنه بين القرن التاسع وبداية القرن الحادي عشر . تبيّن خلاصة النتائج المعطاة في الجداول الوارد أعلاه أنّ علماء الفلك اللاحقين حصلوا على قيم للميل أقل دقة ممن سبقهم ، وبخاصة الخُجَندي رغم استخدامه آلة نُصْبية أكثر ضخامة ، سنأتي على ذكرها بعد قليل . في العام 988 شيّد أبو سهل القوهي في بغداد ، للأمير شرف الدولة ما يمكن اعتباره أوّل صرحٍ مغلق مكرس خصّيصاً للرصد الفلكي . وبعد أن نصف باختصار الأمثلة الأولى عن المراصد ، سنرى ما هي الأسس التي أدت إلى ولادة هذا الطراز الجديد من الصروح أي المراصد . كان المرصد في بغداد عبارة عن مكان مغلق ، أرضه مقعّرة لها شكل قطعةٍ كروية يبلغ قطرها حوالي اثني عشر متراً . وكان سقفه يتضمن كوةً تتطابق مع مركز التجويف وتسمح بدخول نور الشمس الذي يسقط إلى الأسفل على الأرض . يبدو أنّ هذا النوع المراصد لم يُستخدم سوى لفترة قصيرة ؛ والوسائط القليلة التي وصلتنا عنه ينقصها التماسك ، وبخاصة بالنسبة إلى المَيل . والمعلومات التي نملكها عن هذا النوع من المراصد ما زالت تعاني الكثير من الثغرات مما لا يسمح لنا حالياً بتقديمه بطريقة دقيقة . المثال الآخر الذي نعرفه هو المرصد الذي شيده الخُجَندي بالقرب من مدينة رأي بتمويل من الأمير فخر الدولة ، في العام 994 ، بعد بضع سنوات من بناء المرصد السابق ، وذلك من أجل تحديد الميل بمزيد من الدقة . ذلك لأنّ تحديد الميل بقي نسبياً غير معتمَدٍ بثبات ، بالرغم من تنفيذ بضعة أرصاد خلال السنوات السابقة ، بدت نتائجها تتقارب نحو قيمة تساوي 35 ؛ 23 ( الصوفي في العامين 969 و 970 ؛ أبو الوفاء البوزجاني حوالي العامين 975 و 976 ؛ الصاغاني في العام 985 ) . كان الخجندي يعتقد أنّ الميل يتناقض مع مرور القرون ؛ وقد يكون افتراض التغير هذا ، هو ما دفعه لإنشاء آلة نُصْبية ضخمة . إنّ المعلومات عن مرصد رأي وعن لحظات بلوغ الشمس للأوج في العام 994 قد توفرت لنا بشكل أساسي بفضل كاتبين من ذلك العصر . وهناك نص للخجندي نفسه وصلنا جزئياً على شكل اقتباس في العديد من نصوص البتاني . هذه النصوص تسمح لنا بتكوين فكرة دقيقة نسبياً عن الصرح وعن طريقة عمله .